أسباب نزول سورة النساء الآيات 2-92
بقلم: R7eel   

قوله عز وجل:
( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) الآية 2.

قال مقاتل والكلبي: نـزلت في رجل من غَطَفَان كان عنده مالك كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية، فلما سمعها العمّ قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَن يُوق شحّ نفسه ورجع به هكذا فإنه يحلّ داره"، يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقي الوزر" فقالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: "ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده".

 قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) الآية 3.

أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا ) الآية. قالت: أنـزلت هذه في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها، فلا ينكحها حبًّا لمالها، ويضربها ويسيء صحبتها، فقال الله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) يقول: ما أحللت لكم ودع هذه. رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أُسامة، عن هشام.

وقال سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، ويتزوجون ما شاءوا، فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن اليتامى، فنـزلت آية اليتامى: ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) الآية، أنـزل الله تعالى أيضًا: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) الآية. يقول: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، فلا تزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي.



قوله تعالى: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ) الآية 6.

نـزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) الآية 7.

قال المفسرون: إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها: أم كجة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان: هما ابنا عم الميت ووصياه، يقال لهما: سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته شيئًا ولا بناته، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرًا، إنما يورثون الرجال الكبار، وكانوا يقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ، وقد ترك أبوهن مالا حسنًا وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته من المال شيئًا وهن في حجري، ولا يطعماني ولا يسقياني ولا يرفعان لهن رأسًا. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا ينكي عدوًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن"، فانصرفوا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ) الآية 10.

قال مقاتل بن حيان: نـزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنـزل الله فيه هذه الآية.

قوله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) الآية 11.

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن بن عيسى قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنـزلت: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) الآية. رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، عن حجاج، كلاهما عن ابن جريج.

أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: أخبرنا عليّ بن عمر بن مهدي قال: حدثنا يحيى بن صاعد قال: حدثنا أحمد بن المقدام قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت سعد بن الربيع، قتل معك يوم أُحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله ما ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال: "يقضي الله في ذلك، فنـزلت سورة النساء وفيها: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فَلَكَ".




 قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ) الآية 19.
أخبرنا أبو بكر الأصفهاني. قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأصفهاني قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس- قال أبو إسحاق الشيباني: وذكره عطاء بن الحسين السوائي، ولا أظنه إلا ذكره عن ابن عباس - في هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنـزلت هذه الآية في ذلك. رواه البخاري في التفسير، عن محمد بن مقاتل. ورواه في كتاب الإكراه عن حسين بن منصور كلاهما عن أسباط.

قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوّجها بغير صداق، إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئًا، وإن شاء عضلها وضارّها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، فتوفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: حصن، وقال مقاتل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينقق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث ابنه نكاحي وقد أضرّ بي وطول علي، فلا هو ينقق علي، ولا يدخل بي، ولا هو يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله" قال: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن: ما نحن إلا كهيأة كبيشة غير أنه لم ينكحنا الأبناء ونكحنا بنو العم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.



قوله تعالى: ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) الآية 22.

نـزلت في حصن ابن أبي قيس تزوّج امرأة أبيه: كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وصفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منظور بن زبان تزوج امرأة أبيه: مليكة بنت خارجة.

وقال أشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقـالت: إني أعدك ولدًا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) .

أخبرنا محمد بن عبد الرحمن البناني قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا عمرو الناقد قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام فنـزلت: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  فاستحللناهن ).

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان.

أخبرنا عبد الرحيم، عن أشعث بن سوار، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد قال. لما سبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس قلنا: يا نبي الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ فنـزلت هذه الآية ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .

أخبرنا أبو بكر محمـد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة عن أبي صالح أبي الخيل، عن أبي علقمة الهاشمي.
عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس ولقي عدوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنـزل الله في ذلك: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ).

قوله تعالى: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) 32.

أخبرنا إسماعيل ابن أبي القاسم الصوفي، أخبرنا إسماعيل بن نجيد، حدثنا جعفر بن محمد بن سوار، أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث فأنـزل الله تعالى: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ).

أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أن محمد بن الحسين أخبرهم عن محمد بن يحيى بن يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة: أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأَنـزل الله تعالى: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ )

وقال قتادة والسدي: لما نـزل قوله: ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنـزل الله تعالى: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ).



قوله تعالى: ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) الآية 33.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الفارسي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حمويه الهروي قال: أخبرنا علي بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: نـزلت هذه الآية: ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنـزل الله تعالى فيهم: أن يجعل لهم نصيب في الوصيّة وردّ الله تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم ويتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا في الوصية.

قوله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) الآية 34.

قال مقاتل: نـزلت هذه الآية في سعد بن الربيع وكان من النقباء، وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لتقتصّ من زوجها"، وانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا، هذا جبريل عليه السلام أتاني"، وأنـزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير"، ورفع القصاص.

أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد قال: أخبرنا زاهر بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد قال: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يونس، عن الحسن: أن رجلا لطم امرأته، فخاصمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء معها أهلها فقالوا: يا رسول الله إن فلانًا لطم صاحبتنا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "القصاص القصاص، ولا يقضى قضاء"، فنـزلت هذه الآية: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا وأراد الله غيره". أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل العسكري قال: حدثنا علي بن هاشم، عن إسماعيل، عن الحسن قال: لما نـزلت آية القصاص بين المسلمين لطم رجل امرأته، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي لطمني فالقصاص، قال: "القصاص"، فبينا هو كذلك أنـزل الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا فأبى الله تعالى إلا غيره، خذ أيها الرجل بيد امرأتك".



 قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) 37.

قال أكثر المفسرين: نـزلت في اليهود حين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم: وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله: ( عَلِيمًا)  نـزلت في اليهود.

وقال ابن عباس وابن زيد: نـزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، فأَنـزل الله تعالى: ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ).

قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) الآية  43.
نـزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشربون الخمر ويحضرون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يصلُّون ولا ما يقولون في صلاتهم.

أخبرنا أبو بكر الأصفهاني قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الأفريقي قال: حدثنا عطاء، عن أبي عبد الرحمن قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا أناسا من أصحـاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب فتقدم بعض القوم فصلى بهم المغرب، فقرأ: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) فلم يقمها، فأنـزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ).

قوله تعالى: ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) 43.

أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعتْ عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: أحبست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت: فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنـزل الله تعالى آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقد تحته. رواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك.

أخبرنا أبو محمد الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي، عن أبي صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر قال: عرّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقد لها من جذع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس معهم ماء فتغيظ عليها أبو بكر وقال: حبست الناس، فأنـزل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم فلم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب وبطون أيديهم إلى الآباط. قال الزهري: وبلغنا أن أبا بكر قال لعائشة: والله إنك ما علمتُ لمباركةٌ.



قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) الآية 49.
قال الكلبي: نـزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم وقالوا: يا محمد. هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فهذا الذين زكوا به أنفسهم.

قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) 51.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا والدي قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف الى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العاني، ونصل الأرحام، ونسقي الحجيج، وديننا القديم ودين محمد الحديث؛ قالا. بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا فأنـزل الله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) إلى قوله: ( وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد ليحالفوا قريشًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزل كعب على أبي سفيان، ونـزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما فذلك قوله: ( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدنّ على قتال محمد، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا، قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث؛ فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه، فأنـزل الله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) يعني كعبًا وأصحابه الآية.




قوله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) الآية 52.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم المقري قال: أخبرنا سفيان بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: نـزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب - رجلين من اليهود من بني النضير- لقيا قريشًا بالموسم، فقال لهما المشركون؟ أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة والسقاية، وأهل الحرم، فقالا بل أنتم أهدى من محمد فهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه، فأنـزل الله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمدًا يزعم أنه قد نـزل فيكما كذا وكذا، فقالا صدق والله، ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) 58.

نـزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلب منه فأبى، وقال: لـو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية والسدانة، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك عليّ، فقال له عثمان: يا عليّ أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال: لقد أنـزل الله تعالى في شأنك، وقرأ عليه هذه الآية، فقال عثمان: أشهد أن محمدًا رسول الله وأسلم، فجاء جبريل عليه السلام فقال: "ما دام هذا البيت فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان"، وهو اليوم في أيديهم.

أخبرنا أبو حسان المزكي قال: أخبرنا هارون بن محمد الإستراباذي قال: حدثنا أبو محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو الوليد الأزرقي قال: حدثنا جدي، عن سفيان، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن مجاهد في قول الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) قال: نـزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله لا ينـزعها منكم إلا ظالم".

أخبرنا أبو نصر المهرجاني قال: حدثنا عبيد الله بن محمد الزاهد قال: حدثنا أبو القاسم المقري قال: حدثني أحمد بن زهير قال: أخبرنا مصعب قال: حدثنا شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: دفع النبيّ صلى الله عليه وسلم المفتاح إليّ وإلى عثمان وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم"، فبنوا أبي طلحة الذين يلون سدانة الكعبة من بني عبد الدار.

قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) 59.

أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي زكريا الحافظ قال: أخبرنا أبو حامد بن الشرقي قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: نـزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. رواه البخاري عن صدقة بن فضل، ورواه مسلم عن زهير بن حرب، كلاهما عن حجاج.

وقال ابن عباس في رواية باذان: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب، وكان معه عمار بن ياسر، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرس لكي يصبحهم، فأتاهم النذير، فهربوا غير رجل قد كان أسلم، فأمر أهله أن يتأهبوا للمسير، ثم انطلق حتى أتى عسكر خالد ودخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني منكم، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وأقمت لإسلامي، أفنافعي ذلك، أو أهرب كما هرب قومي؟ فقال: أقم فإن ذلك نافعك، وانصرف الرجل الى أهله، وأمرهم بالمقام وأصبح خالد فغار على القوم، فلم يجد غير ذلك الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فأتاه عمار فقال: خل سبيل الرجل فإنه مسلم، وقد كنت أمنته وأمرته بالمقام، فقال خالد: أنت تجير عليّ وأنا الأمير؟ فقال: نعم أنا أجير عليك وأنت الأمير، فكان في ذلك بينهما كلام، فانصرفوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبروه خبر الرجل، فأمنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأجاز أمان عمار ونهاه أن يجيز بعد ذلك على أمير بغير إذنه، قال: واستبّ عمار وخالد بين يدي رسول الله فأَغلظ عمار لخالد، فغضب خالد وقال: يا رسول الله أتدع هذا العبد يشتمني، فوالله لولا أنت ما شتمني، وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خالد كف عن عمار فإنه من يسب عمارًا يسبه الله، ومن يبغض عمارًا يبغضه الله"، فقام عمار فتبعه خالد فأخذ بثوبه، وسأله أن يرضى عنه، فرضي عنه، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر.




قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنـزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) الآية 60.

أخبرنا سعيد بن محمد العدل قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من أسلم فأنـزل الله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ) إلى قوله: ( وَتَوْفِيقًا ).

أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو صالح شعيب بن محمد قال: حدثنا أبو حاتم التميمي قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا رويم قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنـزلت في رجل من الأنصار يُقال له: قيس، وفي رجل من اليهود في مداراة كانت بينهما في حق تدارءا فيه، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما، وتركا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فعاب الله تعالى ذلك عليهما، وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله، وقد علم أنه لن يجور عليه، وجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنـزل الله تعالى ما تسمعون، وعاب على الذي يزعم أن مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال:(  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ ) إلى قوله: ( يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ).

أخبرني محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسحاق الحنظلي قال: أخبرنا المؤمل قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حاكمهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنًا في جهينة، فأَنـزل الله تعالى في ذلك: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ ) يعني المنافق ( وَمَا أُنـزلَ مِنْ قَبْلِكَ ) يعني اليهودي، ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) إلى قوله: ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ).

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نـزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف - وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت- فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى معـه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاختصما إليـه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك وتعلق بي فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدًا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما وضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونـزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: "إن عمر فرق بين الحق والباطل"، فسمي الفاروق.

وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقًا من تمر، وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكبر وأشرف من قُريظة وهم حلفاء الخزرج، فقتل رجل من النضير رجلا من قريظة واختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: إنا وأنتم كنا اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلوا منا، وعلى أن ديتكم ستون وَسْقًا- والوسق ستون صاعًا- وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك، فقالت: الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد، وليس لكم علينا فضل ؛ فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي؛ وقال المسلمون: لا بل إلى النبيّّ صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة: يعني الرشوة، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف إن نفّرت النضيري قتلتني قريظة، وإن نفرت القريظي قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشر أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم كاهن أسلم إلى الإسلام، فأبى فانصرف، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابنيه: "أدركا أباكما، فإنه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبدًا"، فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مناديًا فنادى: "ألا إن كاهن أسلم قد أسلم".




قوله تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) 65.
نـزلت في الزبير بن العوّام وخصمه حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب .

أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن حمدان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن أبيه، أنه كان يحدِّث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق ثم أرسل إلى جارك"، فغضب الأنصاريّ وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: "اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة للأنصاريّ وله، فلما أحفظ الأنصاريُّ رسول الله استوفى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية أنـزلت إلا في ذلك: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) رواه البخاري عن عليّ بن عبد الله، عن محمد بن جعفر، عن معمر ورواه مسلم، عن قتيبة، عن الليث، كلاهما عن الزهريّ.

أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن الحسن الشيباني قال: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال: حدثنا حامد بن يحيى بن هانئ البَلْخي قال: حدثنا سفيان قال: حدثني عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أم سلمة: أن الزبير بن العوّام خاصم رجلا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل: إنما قضى أنه ابن عمته، فأنـزل الله تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ) الآية.



قوله تعالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) الآية 69.
قال الكلبي: نـزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأَتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله: "يا ثوبان ما غيّر لونك؟" فقال: يا رسول الله ما بي من ضرّ ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وأني وإن دخلت الجنة كنت في منـزلة أدنى من منـزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبدًا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

أخبرنا إسماعيل بن أبي نصر، أخبرنا إبراهيم النصراباذي قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن عليّ الجوهري قال: حدثنا عبد الله بن محمود السعدي قال: حدثنا موسى بن يحيى قال: حدثنا عبيدة عن منصور عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رُفعتَ فوقنا، فـأنـزل الله تعـالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ).

أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا مكي قال: أخبرنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله أراك في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع عنا بفضلك، فلا نراك، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

أخبرني أبو نعيم الحافظ فيما أذن لي في روايته قال: أخبرنا سليمان بن أحمد اللخمي قال: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال: حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك لأحبّ إليّ من نفسي وأهلي وولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نـزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) الآية.

قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) الآية 77.

قال الكلبي: نـزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقُدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذًى كثيرًا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم"، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد العدل قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن علي قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبيّ الله كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنَّا صرنا أذلة! فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا والقوم"، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنـزل الله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ).




قوله تعالى: ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ ) 78.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم "أُحُد" قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) الآية 88.

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال. حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قـال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد بن ثابت: أن قومًا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "أحد" فرجعوا، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فنـزلت هـذه الآية. رواه البخاري، عن بندار، عن غندر، ورواه مسلم عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، كلاهما عن شعبة.

أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا الأسود بن عامر قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن قوما من العـرب أتوا رسـول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فأركسوا، فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها، فقالوا: ما لكـم في رسول الله أسوة حسنة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون، فأنـزل الله تعالى:(  فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ) الآية.

وقال مجاهد في هذه الآية: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنـزل هذه الآية، وأمر بقتلهم في قوله: ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )  فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين، فرفع عنهم القتل بقوله تعالى: ( إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ  ) الآية.




قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ) 92.

أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو بن نجيد قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا ابن حجاج قال: حدثنا حماد قـال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن الحارث بن يزيد كان شديدًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو يريد الإسلام، فلقيه عياش بن أبي ربيعة والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر فقتله، فأنـزل الله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ) الآية.

وشرح الكلبي هذه القصة فقال: إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه، فخرج هاربًا إلى المدينة فقدمها، ثم أتى أطمًا من آطامها، فتحصن فيه فجزعت أمه جزعا شديدا وقالت لابنيها أبي جهل والحارث بن هاشم وهما لأمه: لا يظلني سقف بيت ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينه، فأتوا عياشًا وهو في الأطم، فقالا إنـزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعامًا ولا شرابًا حتى ترجع إليها، ولك الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا تحول بينك وبين دينك، فلما ذكرا له جزع أمه وأوثقا له نـزل إليهم فأخرجوه من المدينة وأوثقوه بنسع وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه فقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ثم تركوه موثقًا في الشمس، وأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحارث بن يزيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقاله وقال: والله لا ألقاك خاليًا إلا قتلتك، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم إن الحارث بن يزيد أسلم وهاجر بعد ذلك إلى رسول الله بالمدينة وليس عياش يومئذ حاضرا ولم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث بن يزيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أيّ شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت: وإني لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنـزل عليه السلام بقوله: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ).