أسباب نزول سورة البقرة الآيات 222 إلى آخر السورة
بقلم: R7eel   

قوله تعالى: ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) الآية 222

أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي قال: حدثنا محمد بن مشكان قال: حدثنا حيان قال: حدثنا حماد حدثنا ثابت، عن أنس: أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك

فأنـزل الله عز وجل: ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قلْ هوَ أَذًى فَاعْتَزِلوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) إلى آخر الآية، رواه مسلم عن زهير بن حرب عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب قال: أخبرنا أبو عمرو بن 74 حمدان قال: أخبرنا أبو عمران موسى بن العباس الجويني قال: حدثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد القردواني الحراني حدثني أبي، عن سابق بن عبد الله الرقي، عن خصيف، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قلْ هوَ أَذًى ) قال: إن اليهود قالت: من أتى امرأته من دبرها كان ولده أحول، فكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض، وعما قالت اليهود، فأنـزل الله عز وجل: ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) ( وَلا تَقْرَبوهنَّ حَتَّى يَطْهرْنَ ) يعني الاغتسال ( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتوهنَّ مِنْ حَيْث أَمَرَكم اللَّه ) يعني القبل ( إِنَّ اللَّهَ يحِبّ التَّوَّابِينَ وَيحِبّ الْمتَطَهِّرِينَ نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) فإنما الحرث حيث ينبت الولد ويخرج منه.

وقال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة منهم لم تؤاكلها ولم تشاربها ولم تساكنها في بيت كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله ما نصنع بالنساء إذا حضن؟ فأنـزل الله هذه الآية.





قوله تعالى: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ ) الآية 223.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قال: أخبرنا حاجب بن أحمد قال: حدثنا 75 عبد الرحيم بن منيب قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحول، فنـزل ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) رواه البخاري، عن أبي نعيم، ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن سفيان.

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الخلالي، أخبرنا عبد الله بن زيد البجلي قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن مسلم، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه. فأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتي عليه، فانتشر الحديث 76 حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل الله تعالى في ذلك: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) قال: إن شئت مقبلة وإن شئت مدبرة وإن شئت باركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث يقول: ائت الحرث حيث شئت. رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المحاربي.

أخبرنا سعيد بن محمد الحياني قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه قال: حدثنا أبو القاسم البغوي قال: حدثنا علي بن جعد قال: حدثنا شعبة عن محمد ابن المنكدر قال: سمعت جابر قال: قالت اليهود: إن الرجل إذا أتى امرأته باركة كان الولد أحول فأنـزل الله عز وجل: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ ) الآية.

أخبرنا سعيد بن محمد الحياني قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن الحسن بن الشرقي قال: أخبرنا أبو الأزهر قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبو كريب قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود: إذا نكح الرجل امرأته مجبية جاء ولدها أحول، فنـزلت: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد. رواه مسلم عن هارون بن معروف عن وهب بن جرير، قال الشيخ أبو حامد بن الشرفي: هذا حديث جليل يساوي مائة حديث، لم يروه عن الزهري إلا النعمان بن راشد.

أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المطوعي قال: أخبرنا أبو عمرو بن 77 حمدان قال: حدثنا أبو عليّ قال: حدثنا زهير قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا يعقوب القمي قال: حدثنا جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت، فقال: "وما الذي أهلكك؟" قال: حولت رحلي الليلة، قال. فلم يردّ عليه شيئًا فأَوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأصفهاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا المحاربي عن ليث، عن أبي صالح، عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قوله: ( فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) قال: نـزلت في العزل، وقال ابن عباس في رواية الكلبي: نـزلت في المهاجرين لما قدموا المدينة، ذكروا إتيان النساء فيما بينهم والأنصار واليهود من بين أيديهن ومن خلفهن إذا كان المأتى واحدًا في الفرج، فعابت اليهود ذلك إلا من بين أيديهن خاصّة، وقالوا: إنا لنجد في كتاب الله التوراة أنّ كل إتيان يؤتى النساء غير مستلقيات دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا كنا في الجاهلية وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، وإن اليهود عابت علينا ذلك، وزعمت لنا كذا وكـذا فأكـذب الله تعالى اليهود ونـزل عليه يرخص لهم: ( نِسَاؤكمْ حَرْثٌ لَكمْ ) يقول: الفرج مزرعة للولد ( فَأْتوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ ) يقول: كيف شئتم، من بين يديها ومن خلفها في الفرج.



قوله تعالى: ( وَلا تَجْعَلوا اللَّهَ عرْضَةً لأيْمَانِكمْ ) 224.

قال الكلبي: نـزلت في 78 عبد الله بن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه بشير بن النعمان، وذلك أن ابن رواحة حلف أن لا يدخل عليه أبدًا، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي إلا أن أبرّ في يميني، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( لِلَّذِينَ يؤْلونَ مِنْ نِسَائِهِم ) الآية 226 . 

أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا الحارث بن عبيد قـال: حدثنا عامر الأحول عن عطاء عن ابن عباس قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقلّ من أربعة أشهر فليس بإيلاء، وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدًا، وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذاتَ بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر وأنـزل الله تعالى: ( لِلَّذِينَ يؤْلونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ) الآية.

قوله تعالى: ( الطَّلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْروفٍ ) الآية 229.

أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع قال: حدثنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلقها 79 ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة لـه فطلقها، ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها وقال: والله لا آويك إليّ ولا تحلين أبدًا، فأنـزل الله عز وجل: ( الطَّلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ).

أخبرنا أبو بكر التميمي قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحزوري قال: حدثنا محمد بن سليمان قال: حدثنا يعلى المكي مولى آل الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها أتتهـا امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنـزلت: ( الطَّلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ).



قوله تعالى: ( وَإِذَا طَلَّقْتم النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهنَّ فَلاتَعْضلوهنَّ ) الآية 231.

أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر بن الغازي قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ قال: أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في قول الله عز وجل: ( فَلا تَعْضلوهنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهنَّ إِذَا تَرَاضَوْا ) الآية، قال: حدثني معقل بن يسار أنها نـزلت فيه قال: كنت زوّجت أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا 80 انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوّجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟

لا والله لا تعود إليها أبدًا قال: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوّجتها إياه. رواه البخاري عن أحمد بن حفص.

أخبرنا الحاكم أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: حدثنا علي بن عمر بن مهدي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن البختري قال: حدثنا يحيى بن جعفر قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا عباس بن راشد عن الحسن قال: حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فخطبت إليّ وكنت أمنعها الناس، فأَتاني ابن عم لي فخطبها فأَنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب، فقلت: منعتها الناس وزوّجتك إياها، ثم طلقتها طلاقًا له رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إليّ أتيتني تخطبها، لا أزوّجك أبدًا فأنـزل الله تعالى: ( وَإِذَا طَلَّقْتم النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهنَّ فَلا تَعْضلوهنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهنَّ ) فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي البزاز، أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله 81 البصري قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: أن معقل بن يسار زوّج أخته من رجل من المسلمين، وكانت، عنده ما كانت فطلقها تطليقة ثم تركها ومضت العدة، فكانت أحق بنفسها، فخطبها مع الخطاب فَرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى معقل بن يسار، فغضب معقل وقال: أكرمتك بها فطلقتها، لا والله لا ترجع إلي بعدها، قال الحسن: علم الله حاجة الرجل إلى امرأته وحاجة المرأة إلى بعلها، فأنـزل الله تعالى في ذلك القرآن: ( وَإِذَا طَلَّقْتم النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهنَّ فَلا تَعْضلوهنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهمْ بِالْمَعْروفِ ) إلى آخر الآية، قال: فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعًا لربي وطاعة، فدعا زوّجها فقال: أزوجك وأكرمك فزوّجها إياه.

أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الشاهد أخبرنا جدي أخبرنا أبو عمرو الحيري قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط عن السدي عن رجاله قال: نـزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له بنت عم فطلقها زوجها تطليقة فانقضت عدتها ثم رجع يريد رجعتها فأبى جابر وقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية وكانت المرأة تريد زوجها قد رضيت به فنـزلت فيهم الآية.



   قوله تعالى: وَالَّذِينَ يتَوَفَّوْنَ مِنْكمْ وَيَذَرونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ ) الآية 234 .

أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه، أخبرنا أبو 82 الفضل محمد بن الحسين الحداديّ، أخبرنا محمد بن يحيى بن خالد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ قال: حدثت عن مقاتل بن حيان في هذه الآية: أن رجلا من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف ولم يعط امرأته شيئًا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول.

قوله تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) 256.

أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر المزكي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا الحسين بن محمد مصعب قـال: حدثني يحيى بن حكيم قال: حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة فتجعل على نفسها إنْ عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنـزل الله تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرّشْد مِنَ الْغَيِّ ).

أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل فال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد فتحلف لئن 83 عاش لها ولد لتهودنه فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من أبناء الأنصار فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا فأنـزل الله تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام.

وقال مجاهد: نـزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له: صبيح وكان يكرهه على الإسلام.

وقال السدّي: نـزلت في رجل من الأنصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اطلبهما" فأنـزل الله عز وجل: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبعدهما الله هما أول من كفر"؛ قال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. وقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن 84 يسلما فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر؟ فأنـزل الله عز وجل: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرّشْد مِنَ الْغَيِّ ) فخلى سبيلهما.

أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم المقري أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محفوظ قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: أخبره عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: كان ناس مسترضعين في اليهود: قريظة والنضير، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال أبناؤهم من الأوس الذين كانوا مسترضعين فيهم، لنذهبنّ معهم ولنديننّ بدينهم، فمنعهم أهلهم وأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنـزلت: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) الآية.



قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِ الْمَوْتَى ) الآية 260.

ذكر المفسرون السبب في سؤال إبراهيم ربه أن يريه إحياء الموتى. أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا شعبة بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة ميتة قد توزعتها دواب البر والبحر قال: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِ الْمَوْتَى  ) وقال الحسن وعطاء الخـراساني والضحاك وابن جريج: إن إبراهيم الخليل مر على دابة ميتة قـال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر. قال عطاء: بحيرة طبرية قالوا: فرآها قد توزعتها دوابّ البرّ والبحر فكان إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودوابّ البحر فأكلت منها، فما وقع منها يقع في الماء وإذا جذر البحر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابًا، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت 85 منها، فما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم تعجب منها وقال: "يا رب قد علمت لتجمعنها. فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك؟".

وقال ابن زيد: مر إبراهيم بحوت ميت نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في البحر فدوابّ البحر تأكله وما كان منه في البر فدوابّ البر تأكله، فقال له إبليس الخبيث: متى يجمع الله هذه الأجزاء من بطون هؤلاء؟ فقال: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ) بذهاب وسوسة إبليس منه.

أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني فيما أذن لي في روايته قال: حدثناعبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان قال: حدثنا أبي قال: كنت جالسًا مع عكرمة عند الساحل، فقال عكرمة: إن الذين يغرقون في البحار تقسم الحيتان لحومهم فلا يبقى منهم شيء إلا العظام فتلقيها الأمواج على البر فتصير حائلة نخرة، فتمرّ بها الإبل فتأكلها فتبعر ثم يجيء قوم فيأخذون ذلك البعر فيوقدون فتخمد تلك النار فتجيء ريح فتسفي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة خرج أولئك وأهل القبور سواء، وذلك قوله تعالى: ( فَإِذَا همْ قِيَامٌ يَنْظرونَ  ).

وقال محمد بن إسحاق بن يسار: إن إبراهيم لما احتج على نمروذ فقال: ( رَبِّيَ الَّذِي يحْيِي وَيمِيت  ) وقال نمروذ: أنا أحيي وأميت، ثم قتل رجلا وأطلق رجلا قال: قد أمتّ ذلك وأحييت هذا، قال له إبراهيم: "فإن الله يحيي بأن يردّ الروح إلى جسد ميت" فقال له نمروذ: هل عاينتّ هذا الذي تقوله؟ ولم يقدر أن يقول: نعم رأيته، فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الميت لكي يطمئن قلبه عند الاحتجاج، فإنه يكون مخبرًا عن مشاهدة وعيان.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: لما اتخذ إبراهيم خليـلا استأذن ملك الموت ربه أن يأتي إبراهيم فيبشّره بذلك، فأتاه فقال: جئتك أبشرك بأن الله تعالى اتخذك خليلا فحمد الله عز وجل وقال: "ما علامةُ ذلك؟" قال: أن يجيب الله دعاءك وتحيي الموتى بسؤالك، ثم انطلق وذهب، فقال إبراهيم: (  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِ الْمَوْتَى  ) قال:  ( أَوَلَمْ تؤْمِنْ ) قال: ( بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) بعلمي أنك تجيبني إذا دعوتـك، وتعطيني إذا سألتك، أنك اتخذتني خليلا.



قوله تعالى: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ) الآية 262.

قال الكلبي: نـزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: كان عندي ثمانية الآف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة الآف درهم وأربعة الآف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت".

وأما عثمان رضي الله عنه فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدق برومة -ركية كانت له- على المسلمين، فنـزلت فيهما هذه الآية.

وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا يده يدعو لعثمان ويقول: "يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه" فما زال رافعًا يده حتى طلع الفجر، فأنـزل الله تعالى فيه: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية.

قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَنْفِقوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتمْ ) الآية 267.

أخبرنا عبد الرحمن أحمد الصيدلاني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن نعيم قال: حدثنا أحمد بن سهل بن حمدويه قال: حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: قال أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنـزل القرآن: (  يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَنْفِقوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّموا الْخَبِيثَ مِنْه تنْفِقونَ  ).

أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد الواعظ قال: أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي قال: حدثنا أحمد بن موسى الجماز قال: حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السُّدّي، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: نـزلت هذه الآية في الأنصار، كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر، فيعلقونها على حبل بين اسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف وهو يظن 88 أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنـزل فيمن فعل ذلك: ( وَلا تَيَمَّموا الْخَبِيثَ مِنْه تنْفِقونَ ) يعني القنو الذي فيه حشف ولو أهدي إليكم ما قبلتموه.



قوله تعالى: ( إِنْ تبْدوا الصَّدَقَاتِ ) الآية 271.

قال الكلبي: لما نـزل قوله تعالى: ( وَمَا أَنْفَقْتمْ مِنْ نَفَقَةٍ  ) الآية، قالوا: يا رسول الله صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هدَاهمْ  ) الآية 272.

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر. حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مسلم، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا جرير، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا إلا على أهل دينكم" فأنـزل الله تعالى: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هدَاهمْ  ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا على أهل الأديان".

أخبرنا أحمد، حدثنا عبد الله حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سهل حدثنا ابن نمير، عن الحجاج، عن سلمان المكي، عن ابن الحنفية قال:

كان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على الفقراء المشركين حتى نـزلت هذه الآية، فأمروا أن يتصدقوا عليهم.

وقال الكلبي: اعتمر رسول الله عُمْرَةَ القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها يسألانها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكم شيئًا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد نـزول هذه الآية، أن تصدق عليهما، فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوهم على أن يسلموا فاستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنـزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نـزولها.



قوله تعالى: (  الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً  ) الآية 274.

أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم النصراباذي أخبرنا عمرو بن نجيد قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا محمد بن شُعيب، عن ابن مهدي، عن يزيد بن عبد الله بن عريب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نـزلت هذه الآية: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهمْ أَجْرهمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) في أصحاب 90 الخيل" وقال: "إن الشياطين لا تخبل أحدًا في بيته فَـَرسٌ عتيق من الخيل" وهذا قول أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن زيد، قالوا: هم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله تعالى ينفقون عليها بالليل والنهار سرًّا وعلانية، نـزلت فيمن لم يرتبطها خيلاء ولا لضمار.

أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أخبرني الحسين بن محمد الدينوري قال: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الله النهرواني قال: حدثنا عليّ بن محمد بن مهرويه القزويني قال: حدثنا علي بن داود القنطري قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني أبو شريح، عن قيس بن الحجاج، عن حنش بن عبد الله الصنعاني أنه قال: حدث ابن عباس في هذه الآية: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) قال: في علف الخيل.

ويدلّ على صحة هذا ما أخبرنا أبو إسحاق المقري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو العباس عبد الله بن يعقوب الكرماني قال: حدثنا محمد بن زكريا الكرماني قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا عبد الحميد بن بَهْرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنفق عليه احتسابًا كان شِبَعه وجُوعه ورِبه وظَمَؤُه وبوله ورَوْثُه في ميزانه يوم القيامة".

وأخبرنا أبو إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى عمران بن موسى قال: حدثنا سعيد بن عثمان الجزري قال: حدثنا فارس بن عمر قال: حدثنا صالح بن محمد قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن مكحول، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفيه بالصدقة".

أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا ابو سعيد الأشج قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، عن سليمان بن موسى الدمشقي، عن عجلان بن سهل الباهلي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: من ارتبط فرسًا في سبيل الله لم يرتبطه رياء ولا سمعة كان من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار.

قول آخر: أخبرنا أبو بكر التميمي أخبرنا أبو محمد بن حيان حدثنا محمد بن يحيى بن مالك الضبي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الجرجاني قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً  ) قال: نـزلت في عليّ بن أبي طالب كان عنده أربعة دراهم، فأنفق بالليل واحدًا وبالنهار واحدًا وفي السرّ واحدًا وفي العلانية واحدًا.

أخبرنا أحمد بن الحسن الكاتب قال: حدثنا محمد بن أحمد بن شاذان قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه قال: كان لعليّ رضي الله عنه أربعة دراهم، فأنفق درهمًا بالليل، ودرهمًا بالنهار، ودرهمًا سرّا، ودرهمًا علانية فنـزلت: ( الَّذِينَ ينْفِقونَ أَمْوَالَهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً).

وقال الكلبي: نـزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يكن يملك غير أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرّا، وبدرهم علانية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على هذا؟" قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إن ذلك لك" فأنـزل الله تعالى هذه الآية.



قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللَّهَ وَذَروا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  ) 278.

أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا أحمد بن الأخنس قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: بلغنا والله أعلم أن هذه الآيـة نـزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله تعالى رسوله على مكة، وضع يومئذ الربا كله، فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أَسِيد وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنـا، فقال بنو عمرو بن عمير: صولحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنـزلت هذه الآية والتي بعدها: (  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ  ) فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله يقول الله تعالى: (  وَإِنْ تبْتمْ فَلَكمْ رءوس أَمْوَالِكمْ لا تَظْلِمونَ  ) فتأخذون أكثر ( وَلا تظْلَمونَ ) فتبخسون منه.

وقال عطاء وعكرمه: نـزلت هذه الآيـة في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجَذاذ قـال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا؛ فلما حلّ الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهما وأنـزل الله تعالى هذه الآية، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: نـزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنـزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب".

قوله تعالى: ( وَإِنْ كَانَ ذو عسْرَةٍ ) 280.

قال الكلبي: قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكن الربا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم فأنـزل الله تعالى: ( وَإِنْ كَانَ ذو عسْرَةٍ ) الآية.



قوله تعالى: (  آمَنَ الرَّسول بِمَا أنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ  ) 285.

أخبرنا الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عليّ بن زياد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي قال: حدثنا أُمَيَّة بن بسطام قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما أُنـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَإِنْ تبْدوا مَا فِي أَنْفسِكمْ أَوْ تخْفوه يحَاسِبْكمْ بِهِ اللَّه  ) الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنـزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم؟" أراه قال: سمعنا وعصينا "قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما اقترأها القوم وجرت بها ألسنتهم أنـزل الله تعالى في إثرها: ( آمَنَ الرَّسول بِمَا أنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ  ) الآية كلها، ونسخها الله تعالى فأنـزل الله: ( لا يكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلا وسْعَهَا  ) الآية إلى آخرها. رواه مسلم عن أُمَيّة بن بسطام.

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: حدثنا والدي قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثنا عبد الله بن عمر ويوسف بن موسى قالا أخبرنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان قـال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: لما نـزلت هذه الآية: (  وَإِنْ تبْدوا مَا فِي أَنْفسِكمْ أَوْ تخْفوه يحَاسِبْكمْ بِهِ اللَّه  ) دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخله من شيء فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا". فألقى الله تعالى الإيمان في قلوبهم، فقالوا: سمعنا وأطعنا فأنـزل الله تعالى: (  لا يكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلا وسْعَهَا  ) حتى بلغ (  أَوْ أَخْطَأْنَا  ) فقال: "قد فعلت" إلى آخر البقرة، كل ذلك يقول: "قد فعلت" رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع.

قال المفسّرون: لما نـزلت هذه الآية: (  وَإِنْ تبْدوا مَا فِي أَنْفسِكمْ  ) جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل ونـاس من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله والله ما نـزلت آية أشدّ علينا من هذه الآية، إن أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه وأن له 95 الدنيا وما فيها وإنا لمؤاخذون بما نحدث بـه أنفسنا هلكنا والله فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنـزلت" فقالوا: هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق قال: "فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا: سمعنا وأطعنا واشتدّ ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولا فأنـزل الله تعالى الفرج والراحة بقوله: (  لا يكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلا وسْعَهَا  ) الآية، فنسخت هذه الآية ما قبلها، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به".