البحث فى الموقع  

أضف الموقع إلى مفضلتك
أضف الصفحة الحالية إلى مفضلتك
إجعلنا صفحة البداية
الأكثر زيارة
مواقع صديقة

ترتيب وإحصائيات المواقع في رتب

الحاجة خيرية طباعة أرسل لصديق
بقلم: محمد السبد   
لم يتوقف تاريخ الأرض المباركة (فلسطين) عن تقديم أروع الأمثلة في الفداء والتضحية في كافة الآفاق باتساعها، وكان للمرأة دورها البارز في تاريخ النضال والجهاد الفلسطيني المبارَك نحو استعادة العزة والحرية من أيدي الغاصبين اليهود، وللأمهات في فلسطين حكايات تتجاوز بكثير روعة الاستشهاد؛ فهُنَّ مصانع للشهادة، وهن المدرسة، وقبل ذلك وبعده تكون البطولة، وتكون المعاناة.

 
فنساء فلسطين لسْنَ ككل النساء؛ ففي أجواء الاحتلال والخوف والقهر تختصر حياة الأمهات في صور أبنائهن، وتغدو المسيرة كلها محطات متلاحقة لأطفال يولدون، ثم يكبرون يومًا إثر آخر، والعين والقلب والروح تحرسهم من رحيل إلى رحيل، ومن مدرسة إلى أخرى، ومن طرف إلى آخر.
 
تغيب الذات والأنانية وحب النفس والتعلق بمتاع الدنيا عند أمهات وآباء فلسطين بشكل استثنائي؛ ففي فلسطين ليس ثمة غير فلذات الأكباد تقدمهم الأمهات للدنيا، ثم للآخرة تقربًا إلى ربٍّ عظيم يكافئ الصابرين: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)، والذين يدركون معنى هذا الكلام هم وحدهم الذين يمكنهم الوصول إلى عمق إحساس الأمهات بأبنائهن حين يصابون أو يستشهدون أو يقتلون!!
 
الحاجة خيرية الفايد خنساء أخرى من فلسطين
الحاجة "خيرية ذياب الفايد" واحدة من تلكم الأمهات الصابرات المجاهدات، اللاتي دفعن ثمن الاحتلال قبل أن يفيض بهن كأس القهر، فيرحلن عن دنيا ليس فيها من العدل إلا القليل..
 
وكانت خاتمة رحلة الحاجة "خيرية" في يوم الجمعة 2/1/2004م، والتي ولدت أيام احتلال البريطانيين لفلسطين إلى الاحتلال الأول فالثاني، وصولاً إلى الانتفاضة الأولى فالثانية فالثالثة، وأخيرًا انتفاضة الأقصى التي لم تغادرها إلا إلى الدار الآخرة.
 
وفي حكاية الحاجة "خيرية الفايد" تختزل حكايات كثيرة لأمهات فلسطينيات، سرق الاحتلال فلذات أكبادهن واحدًا تلو الآخر؛ قتلاً واعتقالاً ومطاردة..
     
  
(خنساءات) بلا عدد يقدمهن هذا التاريخ الفلسطيني الجديد للدنيا بأسرها، ولأمة العرب والمسلمين خاصة، ومع كل واحدة منهن تنبت حكاية من رحم الجرح؛ لكنها تتمدد على نحو أروع في فضاء من البطولة لا ينتهي، فيما لا تعدم الخاتمة الكثير من الحزن والقهر، الذي لا يفضي إلى اليأس في وعي أمة تدرك أن الدنيا محطة للآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى للذين يتقون وعلى ربهم يتوكلون.
 
وافاها الأجل ولم ينجدها معتصم
قبل أربعة أسابيع أسلمت الحاجة "خيرية ذياب الفايد" الروح إلى بارئها بعد رحلة معاناة طويلة كان الاحتلال الصهيوني هو صانعها بلا منازع.. سكت القلب الطيب أخيرًا، بعد أن فاض الكأس، ولم يعد بإمكانه احتمال المزيد من القهر.
 
والحاجة "خيرية" لاجئة فلسطينية، طردها الاحتلال من بيتها في الأراضي المحتلة عام 1948م، فاستقرت في مخيم (جنين)، ذلك المخيم الذي غدا رمزًا للبطولة والصمود، أمام معركته التي خاضها بضع عشرات من المجاهدين ضد جيش مسلح بأكثر أنواع التكنولوجيا تقدُّمًا في إبريل 2002م، وفي تلك المعركة البطولية استشهد للحاجة "خيرية" بطلان من أشجع الأبطال، هما: "أمجد"، و"محمد"، لم تكتحل عيناها برؤيتهما قبل مواراتهما الثَّرى، فقد أُخرِجَا بعد وقت طويل من بين الأنقاض جُثثًا مشوهةً، وبعد استشهاد "أمجد" و"محمد" اعتقلت قوات الاحتلال شقيقهما "عبدالرحمن"، الذي لم تتمكن الأم من زيارته في سجنه منذ اعتقاله قبل عام.
 
ولم تستسلم الحاجة "خيريَّة" لما يريده الاحتلال لأهل (جنين) وكل (فلسطين)- من الخنوع والخضوع لأهدافه الاستعمارية الصهيونية- فربَّت ابنها الرابع "خالد" على الجهاد ومقاومة المغتصبين، فبدأت قوات الصهاينة في مطاردته، وحالت دون رؤية الأم لولدها، وكذلك ابنها الخامس "وليد"، الذي تزوج عقب استشهاد أخويه متحديًا قوى الاستعمار، وعاقدًا العزم على إنجاب جيلٍ من الاستشهادين؛ ولكن ذلك القصد لم يكن لقوى الاحتلال أن تتركَه يُنفَّذ تحت مسامعها، فعقب زواج "وليد" بدأت مطاردته في كل مكان من أرض فلسطين المباركة.. وفي أثناء تلك المطاردة لـ"وليد" هدمت القوات الصهيونية بيت الحاجة "خيرية"، التي كانت فيه وحيدة بجسدها، مليئة نفسها بأبنائها الشهداء، فاحتجزوها في البرد القارس مدةً طويلة؛ وهو ما أدى إلى إصاباتها بنوبة قلبية حادة ألزمتها الفراش.
 
حنين الأم إلى أبنائها
 
  
وخلال أيامها الأخيرة لم يكن على لسانها سوى أسماء أبنائها الثلاثة، تطالب مَن حولها بالمجيء بهم؛ كي تراهم وتودعهم؛ لكن الجميع وقفوا عاجزين عن تلبية نداء أمٍّ في حالة احتضار، فـ"عبدالرحمن" في قبضة عدوٍّ لا يرحم أمهات ولا أطفال، كما أن ثمن قدوم "وليد" أو "خالد"- المطارَدَين- هو الموت أو الاعتقال الطويل.
 
وواصلت الحاجة "خيرية" نداءها على الرجال الثلاثة؛ لكنهم لم يلبوا النداء؛ لأن أسوار الاحتلال حالت دون ذلك، لا لأنهم لم يسمعوا، فقد كانوا معها بأرواحهم، تمتزج دماؤهم بدموعها، وهي التي ربتهم على العزة والكرامة وحب الجهاد.
 
في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر
وعندما لم يحضر الرجال أغمضت الحاجة "خيرية" عينيها، وأسلمت الروح لبارئها بعد أن أيقنت أن اللقاء لن يكون في هذه الدنيا؛ بل هناك.. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: 54- 55)، ضاربةً بذلك أروع آيات الجهاد في زمانٍ عزَّ فيه المجاهدون، وانحصرت أسمى الأماني في معيشة كريمة أو غذاء مدعَّم أو فراش موثَر.. فهل تعي نساؤنا الدرس ويربين الأبناء على الجهاد وحب الشهادة؟!
 
نصائح عملية من حياة الحاجة "خيرية"
1-  على مَن وعت درس الحاجة "خيرية" أن تدعوَ الله أمام أبنائها أن يبلغها وإياهم الشهادة في سبيله.
2-  تربية الأبناء على الجهاد بالمال في سبيل الله لأهل فلسطين.
3-  عدم التعلق بمتاع الدنيا والزهد فيها قدر الاستطاعة فهي دار فناء لا دار بقاء.
4-  الدعاء بنصرة الإسلام وعزِّ المسلمين في أرجاء العالم.
 
< السابق   التالي >