3- اختصاص هذه الأمة به :
وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الأمة ، فعن جابر (رضي الله عنه ) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال:
( أعطيت خمساً ، لم يعطهن أحد قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي ألرض مسجداص وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ، فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ،وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) (رواه الشيخان)
4- سبب مشروعيته :
روت عائشة (رضي الله عنها) قالت : خرجنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء ، انقطع عقد لي ، فأقام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر (رضي الله عنه ) فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر ، والنبي (صلى الله عليه وسلم) على فخذي قد نام ، فعاتبني ، وقال ماشاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده خاصرتي ، فما يمنعني من التحرك ، إلا ما مكان النبي ( صلىالله عليه وسلم) على فخذي ، فنام ، حتى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آبة التيمم : { فتيمموا ... } (المائدة :6)
قال أسيد بن الحضير : ما هى أول بركتكم يا آل أبي بكر !! فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته . (رواه الجماعة ، إلا الترمذي)
(ما: بمعنى ليس ، أي ليست هذه أول بركة لكم ، فإن بركاتكم كثيرة)
5- الأسباب المبيحة له :
يباح التيمم للمحدث ، حدثاً أصغر أو أكبر ، في الحضر والسفر ، إذا وجد سبب من الأسباب الآتية :
أ) إذا لم يجد الماء أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة ، لحديث عمران بن حصين (رضي الله عنه) قال :
كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر ،فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل ، فقال : "ما منعك أن تصلي ؟" . قال : أصابتني جنابة ولا ماء . قال:"عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك " (رواه الشيخان)
- لكن يجب عليه قبل أن يتيمم ، أن يطلب الماء من رحله ، أو من رفقته ، أو من ما قرب منه عادة ، فإذا تيقن عدمه أو أنه بعيد عنه ، لا يجب عليه الطلب.
ب) إذا كان به جراحة أو مرض وخاف من استعمال الماء زيادة للمرض أو تأخر الشفاء ، سواء عرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الثقة من الأطباء . لحديث جابر (رضي الله عنه) قال: خرجنا في سفر ، فأصاب رجلاً منا حجر ، فشجه في رأسه ، ثم احتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون
لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة ، وأنت تقدر على الماء فاغتسل ، فمات ، فلما قدمنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، أخبر بذلك ، فقال :" قتلوه ، قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا ! فإنما شفاء العِيِّ السؤال ، إنما كانا يكفيه أن يتيمم ، ويعصر ،أو يعصب على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليه ، ويغسل سائر جسده" ( رواه أبو داوود)
العي: الجهل.
جـ ) إذا كان الماء شديد البرود وغلب على ظنه حصول ضرر باستعماله، بشرط أن يعجز عن تسخينه ، ولو بألأجر ، أو لا يتيسر له دخول الحمام ، لحديث عمرو بن العاص ( رضي الله عنه) أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل،
قال : احتلمت في لية شديدة البرودة ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ذكروا ذلك له ، فقال :"يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟" فقلت : ذكرت قول الله عز وجل : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} ( النساء: 39) ، فتيممت ثم صليت . فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يقل شيئاً . (رواه أحمد)
وفي هذا إقرار ، والإقرار حجة ، لأنه (صلى الله عليه وسلم ) لا يقر على باطل.
د ) إذا كان الماء قريباً منه ، إلا أنه يخاف على نفسه ، أو عرضه ، أو ماله ، أو فوت الرفقة ، أو حال بينه وبين الماء عدو ، يخشى منه ، سواء كان العدو آدمياً أو غيره ، أو كان مسجوناً ، أو عجز عن استخراجه ، لفقد آلة الماء ، كحبل ودلو ، لأن وجود الماء في هذه الأحوال كعدمه.
وكذلك من خاف إن اغتسل ، أن يرمى بما هو برئ منه ، ويتضرر به ، جاز التيمم.
( كالصديق يبيت عند صديقه المتزوج فيصبح جنباً ).
هـ ) إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلاً ، لشربه أو شرب غيره ، ولو كان كبلاً غير عقور ، أو احتاج له لعجن أو طبخ ، أو إزالة نجاسة غير معفو عنها ، فإنه يتيمم ، ويحفظ ما معه من الماء .
قال الإمام أحمد (رضي الله عنه) : عدة من الصحابة تيمموا ، وحبسوا الماء لشفاههم .
وعن علي (رضي الله عنه) أنه قال في الرجل يكون في السفر ، فتصيبه الجنابة ، وعمه قليل من الماء ، يخاف أن يعطش : "يتيمم ، ولا يغتسل"
رواه الدارقطني.
قال ابن تيمية : ومن كان حاقناً ، عادماً للماء ، فالأفضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن ، من أن يحفظ وضوءه ، ويصلي حاقناً .
و ) إذا كان قادراً على استعمال الماء ، لكنه خشي خروج الوقت ، باستعماله في الوضوء أو الغسل ، فإنه يتيمم ويصلي ، ولا إعادة عليه.
6 - الصعيد الذي يتيمم به :
يجوز التيمم بالتراب الطاهر ، وكل ما كان من جنس الأرض ، كالرمل ، والحجر ، والجص ، لقول الله
تعالى : { فتيمموا صعيداً طيباً } ( المائدة : 6)
وقد أجمع أهل اللغة على أن الصعيد : وجه الأرض ، تراباً كان أو غيره.
7- كيفية التيمم :
على المتيمم أن يقدم النية
( وهى فرض في التيمم أيضاً )
وتقدم الكلام عليها في "الوضوء" ثم يسمي الله تعالى ، ويضرب بيديه الصعيد الطاهر ، ويمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين ، ولم يرد في ذلك أصح ولا أصرح من حديث عمار ( رضي الله عنه ) قال:
أجنبت فلم أصب الماء ، فتمعكت في الصعيد ، وصليت، فذكرت ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقال:" إنما يكفيك هكذا" وضرب النبي بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . ( رواه الشيخان)
وفي لفظ آخر :
"إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين" ( رواه الدارقطني)
تمعكت : تمرغت وزناً ومعنى .
ففي هذا الحديث الاكتفاء بضربة واحدة ، والاقتصار في مسح اليدين على الكفين ، وأن من السنة لمن تيمم بالتراب ، أن ينفض يديه ، وينفخهما منه ، ولا يعفر به وجهه.
8- ما يباح به التيمم:التيمم بدل من الوضوء ، والغسل عند عدم الماء ، فيباح به ما يباح بهما ، من الصلاة ،و مس المصحف ، وغيرهما ، ولا يشترط لصحته دخول الوقت ، وللمتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ، والنوافل فحكمه كحمك الوضوء ، سواء بسواء ، فعن أبي ذر ( رضي الله عنه) أن النبي
( صلى الله عليه وسلم) قال:" إن الصعيد طهور المسلم ،وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء ، فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير " ( رواه أحمد)
9- نواقضه :
ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء ، لأنه بدل منه ، كما ينقضه وجود الماء ، لمن فقده ، أو القدرة على استعماله بعد الفراغ من الصلاة ، لا تجب عليه الإعادة ، وإن كان الوقت باقياً ، فعن أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه)
قال: خرج رجلان في سفر ،فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيمما صعيداً طيباً ، فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ، فذكرا له ذلك ، فقال للذي لم يعد : " أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك " وقال للذي توضأ ، وأعاد : " لك الأجر مرتين" (رواه أبو داوود)
أما إذا وجد الماء ، وقدر على استعماله بعد الدخول في الصلاة ، وقبل الفراغ منها ، فإن وضوءه ينتقض ، ويجب عليه التطهر بالماء ، لحديث أب ذر المتقدم.
وإذاتيمم الجنب أو الحائض ، لسبب من الأسباب المبيحة للتيمم ، وصلى ، لا تجب عليه إعادة الصلاة ، ويجب عليه الغسل ، متى قدر على استعمال المء ، لحديث عمر (رضي الله عنه) قال:
صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) بالناس ، فلما انفتل من صلاته ، إذاهو برجل معتزل ، لم يصل مع القوم ، قال : "ما منعك يا فلان ، أن تصلي مع القوم؟" . قال : أصابتني جنابة ، ولم أجد ماء. قال:" عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك".
ثم ذكر عمران ، أنهم بعد أنوجدوا الماء ، أعطى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، وقال :"اذهب ، فأفرغه عليك". ( رواه البخاري).
المصدر : كتاب فقه السنـة